الخطط الإسرائيلية لمواجهة المحكمة الجنائية الدولية

الخطط الإسرائيلية لمواجهة المحكمة الجنائية الدولية
جفرا نيوز - مهدي مبارك عبد الله

كما كان متوقع لمواجهة قرار قضاة المحكمة الجنائية الدولية الصادر يوم 5/2/2021 والذي نص على أنه من حق السلطة الفلسطينية تقديم شكاوى ضد إسرائيل لارتكابها جرائم حرب وان للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي اختصاص فتح تحقيق جنائي ضد إسرائيل والفلسطينيين في جرائم الحرب التي وقعت في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وأن فلسطين تقع ضمن ولايتها القانونية على ضوء ذلك أعلنت إسرائيل حالة الطوارئ السياسية والفكرية والقانونية والدبلوماسية والبحثية لمواجهة قرار محكمة الجنايات الدولية وتعطيله واتخاذ الخطوات المطلوبة من أجل صون مصالحها والدفاع عن مواطنيها وجنودها في جميع ممارساتهم في زمن الحرب

انطلقت شرارة السياسات والخطط الإسرائيلية الأولى في المواجهة من مكتب رئيس الحكومة نتنياهو بتوجيه الاتهام للمحكمة الدولية بان قرارها هو ( لا سامية محضة ) بعدها اجتمع ثلة من المحامين لبحث أي سلبيات او عجز او قصور او فجوات قانونية في القرار واستغلالها في المحافل الدولية وخاصة في امريكا

وفي هذا الاتجاه وجهت إسرائيل وزارة خارجيتها بمطالبة السفارات في جميع أنحاء العالم والدول المضيفة لهم بتوجيه رسالة معاتبة هادئة إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن حكمها الأخير بأن المحكمة لها اختصاص لفتح تحقيق في جرائم حرب ضد إسرائيل بالإضافة الى تواصل السفراء مع رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية في الدول التي يعملون فيها لإصدار بيانات عامة تعارض قرار المحكمة الجنائية الدولية

كما نشطت في هذا المجال بعض مراكز الدراسات والأبحاث وقدمت العديد من المقترحات والاستشارات منها القيام بحملة دبلوماسية اخرى تتولى وزارة الخارجية والعدل التنسيق فيها مع حكومة الرئيس الأمريكي بايدن للإضرار بمكانة ومصداقية المحكمة الجنايات سيما وان أمريكا وإسرائيل ليستا عضوين في المحكمة وان لكل منهما نظام قضائي قادر على المحاكمة المستقلة والتركيز على أن نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس كانت من أشد المعارضين للعمل وصلاحيات محكمة الجنايات عندما كانت عضوا في الكونجرس والتذكير بانها شاركتْ مع الجمهوريين قبل الانتخابات الأخيرة في التوقيع على رسالة وجهتْ إلى المحكمة برفض اعتبار فلسطين دولة لأنها لا تملك مواصفات الدولة

المنظمة اليهودية العالمية ايباك وفروعها المختلفة انضمت الى الصراع حيث استعانت بمراقِبة الجمعيات غير الحكومية المتعاونة معها والتي سارعت بدورها الى اتهام مدعية عام محكمة الجنايات بانها تستهدف مطاردة إسرائيل منذ سنوات بهدف إدانة قادتها بإيعاز من بعض الجمعيات الغير حكومية وبتمويلٍ أوروبي وبالتعاون مع حركة بي دي إس وان رئيس المحكمة السيدة فاتو بن سودا تركز معهم على تجريم إسرائيل ويتغاضون عن الدول الأخرى التي تنتهك حقوق الإنسان مع لفت نظر محكمة الجنايات إلى أن هناك قضايا أهم كقضية مسلمي الإيغور في الصين الذين تنتهك الصين حقوقَهم

وفي بيان لاحق صدر عن مكتب نتنياهو جاء فيه ( في الوقت الذي تسمح المحكمة بالتحقيق مع إسرائيل، وهي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط الملتزمة بحكم القانون فان المحكمة تغمض عينيها عن جرائم الحرب الفظيعة التي ترتكبها دول ديكتاتورية مظلمة مثل إيران وسوريا يوما بعد يوم ) وتابع البيان بالقول إن ( الادعاء بأن عيش اليهود في وطنهم وعاصمتهم أورشليم يشكل جريمة حرب هو ادعاء مشين ) في إشارة ضمنية واضحة إلى أن المحكمة قد تحقق في سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والسلوك في القدس الشرقية المتنازع عليها )

العديد من رجال القانون تحالفوا داخل إسرائيل وخارجها تحالفوا في مواجهة المحكمة حيث افتوا قانونيا بانه لا حق للمحكمة في محاكمة دولة ليست عضوا فيها بشكوى من دولةٍ لا تملك مقومات العضوية كما تقدمت الحركة الصهيونية بدورها بعدة تصورات واليات عمل للتضييق على المحكمة ومحاصرة قرارها حيث دعت الى التواصل والتنسيق مع العاملين الفاعلين في الإدارة الأمريكية لتوقيع العقوبة على المحكمة وعلى الفلسطينيين وانه كان أولى بالمحكمة أن تمنع كل الجرائم بما فيها الهولوكوست (التي ارتكبها النازيون بحق الشعب اليهودي )

وخلافًا لذلك كما تدعي تلاحق المحكمة دولة الشعب اليهودي نفسه وتصب جام عدائها ومحاولاتها المتكررة لمحاكمة إسرائيل كما يتوجب حث الإدارة الأمريكية الجديدة على تطبيق القرار السابق للرئيس ترامب بإغلاق مكاتب المحكمة وعدم منح أعضائها وأسرهم تأشيرات بالدخول إليها وتكثيف الضغط الدولي لتتراجع المحكمة عن قرارها إضافة الى ضرورة توقع عقوبات مالية عاجلة على الفلسطينيين لأنهم شكلوا لجنة مكونة من 45 عضوا استشاريا تتبع منظمة التحرير ووزارة الخارجية الفلسطينية برئاسة الراحل صائب عريقات لتقديم الشكاوى ضد إسرائيل

ومن سبل المواجهة المقترحة تعزيز التعاون مع الدول الحليفة لعرقلة عمل المحكمة واللجوء إلى محاكمات صورية للجنود الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم ضد الإنسانية في فلسطين لإحباط تقديمهم إلى المحكمة الدولية كما أجرى بهذا الخصوص المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية اتصالات مع منظمات حقوقية إسرائيلية لإقناعها بعدم الوشاية إلى هيئات دولية بأفعال جيش الاحتلال ضد المواطنين الفلسطينيين

إسرائيل حتى اليوم لم تصادق على نظام المحكمة الجنائية الدولية وبالرغم من ذلك فإنها قلقة من إمكانية مقاضاة مستوطنيها وضباطها وجنودها وقادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية لذلك شكّلت طاقما خاصا لتقديم المشورة القضائية لعدد من السياسيين والضباط حول كيفية مواجهة احتمال تقديم دعاوي ضدهم لأنّ تخوف من محاولات ستجري لمحاكمة ضباط إسرائيليين كبار كمجرمي حرب ويمكن أن تقدم المستوطنين الإسرائيليين إلى المحاكمة باعتبار أنّ البناء في المستوطنات يعتبر جريمة حرب

إذن ما هي الصعوبات التي ستواجه دولة فلسطين بعد انضمامها لمحكمة الجنايات الدولية في عام 2015 اولا ينبغي الفم بان انضمام دولة فلسطين للمحكمة الجنائية الدولة لا يمكنها من محاكمة أو محاسبة إسرائيل لأنها ليست عضوا في اتفاقية روما وهي ( النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ) الا عبر قرار صادر عن مجلس الأمن يطلب من المدعي العام للمحكمة من ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين على جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني وهذا بالطبع لن يحصل بسبب الفيتو الأمريكي في المقابل فان انضمام دولة فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية سيعطي الحق لإسرائيل برفع دعوى قضائية ضد النشطاء الفلسطينيين العسكريين منهم والسياسيين في المقاومة الفلسطينية باعتبارهم مسؤولين عن كافة العمليات الفدائية ( الانتحارية ) في تل ابيب وغيرها وملاحقة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ تجاه البلدات والمستوطنات داخل الخط الأخضر من ارض 1948 من الفلسطينيين

كما ستقوم إسرائيل بطلب تعويضات بجبر الضرر عن ضحاياها في كافة الإعمال التي تسببت في مقتل إسرائيليين بسبب نشاط المقاومة إضافة الى تعويضات عن الخسائر المادية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها التي لحقت بها وبمواطنيها حيث تنص المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977على ( الالتزام بدفع تعويض عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني ) كما ستضع أسماء الفلسطينيين قيادات أو جنود أو رؤساء أو وزراء على لائحة المطلوبين للعدالة الدولية لملاحقتهم دوليا من طرف الدول الأعضاء في نظام روما باعتبارهم مجرمين حرب وبذلك دولة فلسطين ستكون ملزمة بتسليم الأشخاص المتهمين كمجرمي حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية مهما كان مناصبهم حيث لا حصانة لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وسيتم ملاحقتهم بشكل شخصي وليس بصفتهم الرسمية التي لا تمنحهم الحصانة من الملاحقة والمحاكمة وسوف تتحمل دولة فلسطين كافة النفقات المالية أثناء سير وانعقاد جلسات المحكمة الجنائية الدولية

وعلى ضوء ذلك ونظرا لصعوبة ملاحقة ومقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين القائم على قرار من مجلس الأمن الدولي والذي سوف يصطدم في النهاية بالفيتو الأمريكي لكن ما يهمنا من ناحية القانون هو توثيق جرائم الحرب وتقديمها لجهات الاختصاص في الوقت المناسب لان جرائم الحرب لا تسقط مع مرور الزمن

من المعلوم ان المحكمة الجنائية الدولية التي شكلت عام 2002 لا تحاكم البلدان بل الأفراد وان الكثير من المسؤولون الإسرائيليون لا يتوقعون في الوقت الحالي أي تهديدات فورية لشخصيات سياسية أو عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى لكن فيما يتعلق الأمر بالمستوطنات فإن إسرائيل قد ستواجه صعوبة في الطعن بالقانون الدولي الذي يحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة وفي حالة إدانة إسرائيل وتسمية مسؤولين كبار فقد تصدر بحقهم مذكرات توقيف دولية عند سفرهم إلى الخارج

المحكمة الجنائية الدولية كمنظمة دولية دائمة تسعى إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة وهي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية وبزمن غير محدد لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري بلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاء المحكمة 125 دولة حتى 5/3/2019

امام كل ما ذكر من عقبات وصعوبات تبقى الكرة الان في مرمي المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودا فيما إذا كانت ستفتح تحقيقات خاصة بالجرائم الإسرائيلية كما أنها أشارت في عام 2019 إلى أنها تنوي القيام بذلك في الوقت الذي تجمع إسرائيل كل قواها وخبثها ودهائها لمواجهة محكمة الجنايات الدولية وتعطيل قرارها الأخير وهي تنتظر بفارغ الصبر تقاعد رئيس المحكمة السيدة، فاتو بن سودا في شهر تموز القادم هل ستنجح ؟
mahdimubarak@gmail.com
تابعو جفرا نيوز على google news